صديق الحسيني القنوجي البخاري

528

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنْ هُوَ أي ما القرآن إِلَّا ذِكْرٌ من الأذكار وموعظة من المواعظ يوعظ بها الإنس والجن . وَقُرْآنٌ مُبِينٌ أي كتاب من كتب اللّه السماوية مشتمل على الأحكام الشرعية يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبدات ، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والدرجات ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين ، وأقاويل الشعراء الكاذبين . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 70 إلى 76 ] لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) لِيُنْذِرَ قرىء بالتحتية وبالفوقية وعلى الأولى : المراد القرآن وعلى الثانية : المراد النبي صلّى اللّه عليه وسلم مَنْ كانَ حَيًّا يعقل ما يخاطب به أي مؤمنا قلبه صحيح يقبل الحق ويأبى الباطل لأن الكافر كالميت لا يتدبر ولا يتفكر . وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أي وتجب كلمة العذاب على المصرين على الكفر ، الممتنعين من الإيمان باللّه وبرسوله ، وإيرادهم في مقابلة من كان حيا فيه إشعار بإنهم لخلوهم عن آثار الحياة التي هي المعرفة أموات في الحقيقة ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة وإنعامه على عبيده . وجحد الكفار لنعمة فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا الهمزة للإنكار والتعجيب من حالهم ، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره ، والرؤية هي القلبية أي : أو لم يعلموا بالتفكر والاعتبار أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ أي لأجلهم . انتفاعهم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة . وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق ، كما يقول الواحد منا : عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله ، وما : بمعنى الذي وحذف العائد لطول الصلة ويجوز أن تكون مصدرية وأتى بهذه الجملة بعد قوله : خَلَقْنا للإشارة إلى حصر الخلق لهذه النعم فيه تعالى ، واستقلاله بها ، فهو كناية عرفية ، وقيل : تمثيلية ، أي مما تولينا إحداثه ، ولم يقدر على إحداثه غيرنا وقوله : أَنْعاماً مفعول خلقنا ، وهي جمع نعم ، وهي : البقر والغنم والإبل وإنما خصها بالذكر - وإن كانت الأشياء كلها من خلق اللّه وإيجاده - لأن النعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم ، وقد سبق تحقيق الكلام فيها ، ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق الأنعام فقال :